سهيلة عبد الباعث الترجمان
289
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ويشرح أبو العلا عفيفي معنى الإطلاق منعا لاختلاط الأمر ما بين إطلاق وتقييد في ما أطلقه ابن عربي على الذات ، وبعدا عن كل مزج بين الحقيقتين فقال : " المراد أن الذات الإلهية المطلقة قد أدرجت في العالم كما أدرج العدد واحد في العدد اثنين وهذا التمثيل الرياضي البديع يشرح لنا نظرية ابن عربي شرحا دقيقا . . . فالذات الإلهية إذا نظر إليها معرّاة عن جميع العلاقات والنسب لم يكن لها دلالة ولا إشارة إلا على نفسها وإلى نفسها ، أما العالم الذي هو كثرة في نفسه ، الذي هو كثرة في صور الوجود فله إشارتان : إشارة إلى نفسه ، وإشارة إلى الذات المندرجة في كل صورة من صوره " « 1 » فتكون الذات بذلك معماة عن الأبصار لا تدرك في عينها لقصور العقل عن إدراك ما وراء طور العقل ، وهذا دلالة كاملة على كمال الذات وترقيتها وعلوها عن كل شيء ، ذلك أن هذه الذات في رأي ابن عربي إذا توقف كمالها على الوصف حكم عليها بالنقص الصّرف ، فمن لم يكن كماله لذاته افتقر كماله إلى صفاته ، والحق بإجماع كل واحد ليس بأمر زائد « 2 » . لهذا ينكر ابن عربي على من يقول بإدراك الذات كأبي حامد مثلا لأن الذات التي لا يمكن إدراكها في عينها ، فإنها تعرف عن طريق مجاليها التي نحس وجودها ، ذلك أن إعمال الفكر في الذات ممنوع شرعا لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم " لا تتفكروا في ذات اللّه " « 3 » وقوله عز وجل : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ « 4 » يعني أن تفكروا بها فتحكموا عليها بأمر أنّها كذا وكذا ، لهذا يرى أن الذات لا تدرك بفكر ومشاهدة من حيث نفسها ، فهي ممنوعة عند أهل اللّه ، وإنما لها مظاهر تظهر فيها ، وبتلك المظاهر تتعلق رؤية العباد ، وقد وردت بها الشرائع ، وما بأيدينا عند أهل العلم به إلا صفات
--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات عن الفصوص ، مصدر سابق ، ص 162 . ( 2 ) الشعراني ، الكبريت الأحمر ، ص 144 . ( 3 ) الحديث : يقول : " تفكروا في خلق اللّه ولا تفكروا في اللّه " . الحديث يقول : " تفكروا في آلاء اللّه ولا تفكروا في ذات اللّه فإنكم لم تقدروا قدره " . الحديث صح وقفه عن ابن عباس لا يصح رفعه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . ورواه ابن أبي شيبة في كتاب العرس له في قوله . . . رواه الأصبهاني في ترغيبه بهذا اللفظ . ( انظر كشف الخفاء ، ص 310 ) . ( 4 ) سورة آل عمران ، الآية : 28 م .